نحو خطاب إسلامي معاصر (1) / محمد جميل منصور

كنت قد أوضحت سابقا أن الحلقة الأولى من هذه السلسلة ستعنى بالناحية المنهجية التي توضح أسس الفهم والاختيارات المعتمدة في التعامل مع النصوص الشرعية بعيدا عن الظاهرية الحرفية والتأويل المتعسف، وتبتعد عما أسماه الأخ د.محمد المختار الشنقيطي جعل التاريخ وحيا أو اعتبار الوحي تاريخا.
إن تحديد الأرضية المنهجية ينجي بإذن الله من حالتين فيهما من الخلل كثيره، الأولى تعتمد على نص دون النظر إلى النصوص الأخرى الواردة في ذات الموضوع، والثانية ترد نصا صحيحا لفهم عابر أو اجتهاد قاصر.
لقد استطاع إمام المقاصد ونابغة زمانه أبو إسحاق الشاطبي أن يضع أربعة أسس باستعمالها معا يقترب الفهم من السلامة وينجو من التعارض وحد لكل منها ضابطا فقال عن الأساس اللغوي مبرزا ما عرفت عليه اللغة العربية حيث ” تخاطب بالعام يراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص، وظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره، أو آخره عن أوله، وتتكلم عن الشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأسماء الكثيرة باسم واحد، وكل هذا معروف عندها لا ترتاب في شيء منه”
أما الأساس الثاني وهو التكاملي فقد ضبطه قائلا : “فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزائه فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض”
ويشرح الأساس الثالث وهو الظرفي الذي يقوم على استحضار أسباب النزول وأسباب الورود : “وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط” وأورد الشاطبي كلام ابن مسعود ” والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت”
أما الأساس الرابع وهو الذي توقف عنده الإمام كثيرا فهو الأساس المقاصدي الذي يربط فهم النصوص الجزئية بمقاصد الشريعة الكلية، وقد استبعد الإمام الشاطبي اتجاهين، أولهما الذي يعتبر “مقصد الشارع غائب عنا حتى يأتينا النص الذي يعرفنا به، وهذ هو رأي الظاهرية” وثانيهما الذي يرى “أن مقصد الشارع ليس في هذه الظواهر ولا ما يفهم منها” وقد سماهم الباطنية، ثم رجح الشاطبي أن مقاصد الشارع تعرف من ظواهر النصوص ومن معانيها وعللها وهذا المذهب “هو الذي أمه أكثر العلماء الراسخين، فعليه الاعتماد في الضابط الذي به يعرف مقصد الشارع”
ولعل تفعيل هذه الأسس مجتمعة يعصم بإذن الله من التناقض وجزئية المقاربة والتعلق بالأشكال دون العبر والمعاني، فالأساس اللغوي عاصم من فهم النصوص من خارج اللغة التي نزلت بها هذه النصوص أو وردت بها، والأساس التكاملي يمنح القدرة على بناء فكرة شاملة عن الموضوع الواحد، والأساس الظرفي يعين على فهم النصوص على ضوء ظروف تنزلها مع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والأساس المقاصدي ضامن لربط أحكام الشرع التفصيلية بمقاصدها الكلية فلا تخرج عنها وتفهم على ضوئها.
لقد كان واضحا أن الشريعة اعتمدت التفصيل فيما لا يتغير وشأنه الثبات بغض النظر عن الزمان والمكان كما قال العلامة محمد الطاهر بن عاشور : “إن العبادات مبنية على مقاصد قارة، فلا حرج في دوامها ولزومها للأمم والعصور إلا في أحوال نادرة تدخل تحت حكم الرخصة” واعتمدت الإجمال فيما شأنه التغير والتجدد حسب أحوال العصور أو الشعوب وكانت منطقة العفو دالة على ذلك كما في الحديث ” ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا”
ولعل هذا التفريق بين هاتين الدائرتين هو الذي جعل الشاطبي يفرق بين العبادات والعادات “الأصل في العبادات بالنسبة للمكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني وأصل العادات الالتفات إلى المعاني”
وفي تقسيمه للعقول اعتبر الحديث الصحيح “القيعان” مذمومة وهي التي “لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ” واعتبر “الأجادب” مفضولة وهي التي “أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا” واعتبر الأفضل والأحسن “فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير”
ثم علق الحديث “فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم”
لقد قسم د.عبد المجيد النجار مستويات التعامل مع النصوص لتغيير الواقع إلى ثلاثة مستويات مستوى الفهم، وحديث الأسس السابقة ضابط له، ومستوى الصياغة وهو “إعداد التعاليم الدينية في هديها المطلق لتكون مشروعا مقدرا على قدر الواقع الزمني الذي يراد إصلاحه”
ومستوى التنزيل وهو “التنزيل الفعلي للمشروع الذي وقعت صياغته من حيث الكيفية التي يكون عليها ذلك التنزيل والوسائل التي يتم بها، والمسالك التي ينبغي أن يسلكها”
وقد بوب العلماء لاعتبار المصلحة وهو اعتبار معين في الفهم وجوهري عند الصياغة وشرط في مرحلة التنزيل ورحم الله الإمام ابن القيم حين ختم تعريفه لفصله الأشهر في إعلام الموقعين قائلا ” فكل مسألة خرجت عن العدالة إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل” وقد حز الشاطبي في المفصل كعادته عندما قال:” إنا وجدنا الشارع قاصدا لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معها حيثما دارت، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز”
إن المنهجية التجديدية التي لا نخفي تبنينا لها هنا تحصر دائرة الإلزام في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة وتعتبر تراث الأمة في دائرة الاسترشاد والاستصحاب مع أسبقية لفهوم الصحابة رضي الله عنهم، واعتبار لأقوال السلف، ولأننا في عصرنا وزماننا فإن أخذ خصوصياته وإبداعاته وإضافاته أمر لازم وضروري.
هدفي من هذه التحديدات المنهجية أن ينظر للحلقات اللاحقة والآراء المعبر عنها فيها على ضوئها سواء في التعاطي مع النصوص أو المقارنة بينها أو في أساليب التفسير والتأويل أو في آلية الاجتهاد والتجديد.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق