أول مبعوث موريتاني بأوروبا في القرن 17: أحمد بن إبراهيم بن منصور

كان من نتائج بحوث صديقنا الأستاذ والباحث الألماني المتميز فيليب كولترمان أن وضع اليد على الكثير من الاتفاقيات التي أبرمتها إمارة الترارزة مع مبعوثين وتجار ألمان وهولنديين كانوا وكلاء عن مملكة براندنبورغ البروسية، خصوصا في عهد الأمراء هدي بن أحمد بن دمان وأبنائه الثلاثة: السِّيَّدْ، وأعمر آگجيل، واعلي شنظوره. ومن أبرز ما تنبه إليه الباحث كولترمان ورود اسم مفاوض ومبعوث ديبلوماسي في العديد من الاتفاقيات والوثائق المذكورة وتواتره في العديد من الوثائق والنصوص ويسمى أحمد بن إبراهيم بن منصور.

 

لم نكن نعرف الكثير عن نسب أحمد بن إبراهيم بن منصور وعشيره، وهو مبعوث إمارة الترارزة إلى بلاط مملكة براندنبورغ البروسية، حتى نشرت المكتبة الوطنية بباريس سنة 2017 وثيقة هامة عن نسب الترارزة لمؤلفها والد بن خالنا الديماني (توفي 1798م). وقد ذكرت تلك الوثيقة منصور بن دمان الأخ غير الشقيق لأحمد بن دمان وأشقائه الستة (قمت بالتعليق على تلك الوثيقة ونشرها في الشبكة).

 

من المعروف أن لدمان ستة أبناء تفرعت منهم قبائل عديدة من المجموعة التروزية وهم: ساسي وعتام وزنون وأحمدْ وآگمتار وعبَّلَّه ومحمد، ونعرف أن أمهم الدهَيْمَه بنت كروم البركني. وقد أضافت لهم الوثيقة أخا ثامنا غير شقيق هو منصور وأمه من أولاد عگبة؛ لذلك تميز واشتهر باسمه المركب: منصور العُگبي. وقبيلة أولاد عگبة (عقبة) من القبائل الحسانية الشهيرة بالحوض، وجدهم عگبة بن اعروگ بن أديْ بن حسان، وكانوا قد توطنوا منطقة الگبلة مع بني عمومتهم أولاد أولاد رزگْ مدة من الزمن، ثم نزحوا إلى منطقة الحوض مع وصول المغافرة لهذه المنطقة.

 

وغير بعيد أن يكون منصور العُگبي بن دمان قد عاصر إمارة أخيه أحمد بن دمان مؤسس إمارة الترارزة، وغير بعيد كذلك أن يكون ابنه إبراهيم بن منصور عاصر إمارة ابن عمه هدي بن أحمد بن دمان (توفي 1684م). ومما لا شك فيه أن حفيده أحمد بن إبراهيم بن منصور، الذي أتقن اللغة الهولندية أثناء مقامه في روتردام، عاصر الأمراء الثلاثة، بني عمومته، أبناء هدي وهم: السِّيِّد (توفي في حدود 1688م)، وأعمر آگجيل (توفي 1703م)، واعلي شنظوره (توفي 1727م). فأحمد بن إبراهيم بن منصور بن دمان إذن من بيت إمارة الترارزة بحكم أن عم أبيه أحمد بن دمان، وبالتالي فهو وثيق الصلة نسبا وعصبا ببيت الإمارة، ومقرب من أبناء عمومته أبناء هدي بن أحمد بن دمان الأمراء الثلاثة المذكورين، بل كان مترجمهم ومبعوثهم الخاص إلى أوروبا.

 

ثمانون سنة من التواصل بين الترارزة وإمارة برادنبورغ الألمانية

استمر التعامل بين إمارة الترارزة وبين مملكة براندنبورغ البروسية أو دوقية بروسيا على امتداد ثمانية عقود، وذلك خلال عهد ملكين ألمانيين هما فريديريك غيوم دو برادنبورغ المعروف بلقبه الناخب الأكبر Grand Electeur (حكم من 1640 إلى 1688)، وبعد ذلك ظل التواصل مستمرا مع خليفته وابنه الثالث فريدرش الثالث (حكم من 1688 إلى 1713)، الشهير بأنه كان أحدبَ وبسيطا وذكيا.

 

عاصر الأب فريديريك غيوم دو برادنبورغ ثلاثة من أمراء الترارزة وهم: أحمد بن دمان وابنه هدي وحفيده السِّيِّد ولد هدي. كما عاصر ابنه فريدرش الثالث أميرين تروزيين وهما أعمر آگجيل وأخوه اعلي شنظوره. وكان الناخب الأكبر فريديريك غيوم دو برادنبورغ هو من أسس سنة 1681 شركة إفريقيا التابعة لبرادنبورغ والتي تعامل تجارها مرارا مع إمارة الترارزة. مع أن أحمد بن دمان سبق فريديريك غيوم دو برادنبورغ بعدة سنوات، وقد تواصل وتراسل مع مملكة برادنبورغ فلا مانع أن يكون تواصل مع معاصره الملك جورج غيوم دو برادنبورغ كما سنرى.

 

 

ومن المعلوم أن آل هوهنتسولرن، وهي الأسرة التي ينحدر منها الناخبون الأكابر الذين تعاملوا مع أمراء الترارزة: جورج غيوم دو برادنبورغ وابنه فريديريك غيوم دو برادنبورغ وحفيده فريدرش الثالث أنجبت عديدا من الملوك وعرفت دولتهم باسم براندنبورغ بروسيا، أو مرغريفية براندنبورغ الواقعة ضمن الإمبراطورية الرومانية المقدسة، أما دوقية بروسيا فكانت تحت سيطرة هذه العائلة وكانت هي وغيرها من مناطق بروسيا الغربية خارج الإمبراطورية. وقد احتلت براندنبورغ/بروسيا، التي كان لها نفوذها القوي في القرون الوسطي، جزيرة آرگين كما شيدت كذلك في دولة غانا بغرب إفريقيا قلعة ما زالت أطلالها شاهدة.

 

استقر التجار الألمان والهولنديون التابعون لمملكة براندنبورغ/بروسيا بجزيرة آرغين منذ ثلاثينيات القرن السابع عشر بعد طردهم آخر برتغالي من الأراضي الموريتانية، وجزيرة آرگين واحدة من ضمن ثماني جزر صغيرة غير مأهولة تقع عند مدخل خليج الرأس الأبيض “نواذيبو” وتبعد 5 كلم عن اليابسة، وقد بنى بها البرتغاليون ومن بعدهم الهولنديون/الألمان حصنا قويا.

 

ومن أنواع المواد التي تتم مقايضتها في جزيرة آرگين، حسب الوثائق الألمانية، الصمغ، والذهب، وأسنان الفيلة، والفلفل الأسود، وجلود الفهود والبقر والضأن، والعنبر الأبيض والأسود الذي تارة يكون كثيرا وتارة قليلا حسب ما يقذفه البحر من تلك المادة. ومما هو شائع من أنواع البضائع في آرگين ريش النعام والملح بكميات كبيرة جدا. أما الرقيق، حسب هذه الوثائق، فقد كان شبه معدوم في التعامل الألماني التروزي. ومن المعلوم أن هواء جزيرة آرگين صحي جدا ولو أنه يحمل معه حرارة شديدة تجعل الناس هناك يعمرون كثيرا كما تقول تلك الوثائق الألمانية.

 

بعد وفاة أمير الترارزة هدي بن أحمد بن دمان بقليل، وبعد تولي ابنه السيِّد الإمارة، وصل إلى جزيرة آرگين بداية 1685 القبطان الهولندي بنيامين رولر على متن سفينة تعرف باسم “الأسد الأحمر” وتتالى بعد ذلك وصول السفن الهولندية؛ حيث وصلت سفينة أخرى يوم 1 أكتوبر 1685 بقيادة القبطان كونيليوس رييرس وهو هولندي على علاقة وثيقة بالملك الأحدب فريدرش الثالث.

 

وفي أحد التقارير الألمانية حديث عن رسو هذه السفينة بميناء آرگين وكيف بدأ القادمون يوم الجمعة 5 أكتوبر 1685 بالنزول بالقلعة المدمرة، كما قسموا هدايا رمزية على السكان البيضان منها فاكهة البرتقال وبعض الشعارات المسيحية. ويضيف التقرير أنه في الاثنين 8 أكتوبر 1685 توجه القبطان كونيليوس رييرس إلى اليابسة وبدأ مفاوضات مع أمير البيضان (الأمير السيد ولد هدي) طالبا الإذن ببناء قلعة آرگين من جديد، وسيتم تشييد ذلك البناء سنة 1687.

 

وقد تم لقاء آخر مع الأمير السيد ولد هدي يوم الأحد 3 مارس 1686؛ حيث يتحدث التقرير عن بدأ موسم بيع الصمغ العربي، وقد أطلق الهولنديون خمس طلقات ترحيبا بالأمير السِّيِّدْ، رافعين العلم والشعار البراندبورغي. وقد عبر التجار الهولنديون عن مدي استغرابهم من قلة كميات الصمغ الواردة إلى المرسى مع أنهم سمعوا عن وفرة محصوله في ذلك العام، فأقسم لهم الأمير السِّيِّدْ أنه سيملأ السفن منه كما يقول التقرير.

 

نحج القبطان رييرس في خفض حالة الاحتقان بين التجار الهولنديين وأمير الترارزة فأبرم معه عقدا سيتم تمديده مع أعمر آگجيل سنة 1688 بعد وفاة الأمير السيد. وكان رييرس على علم أن الأمير التروزي قد أبرم نفس الاتفاق مع الفرنسيين في سانت لويس بالسنغال.

 

 

وفي هذه الفترة تعطينا المصادر التاريخية المحلية إشارات عن الوجود الألماني الهولندي بشكل متفرق وقليل ويصعب ضبطه لعدم وضوح ما أوردته تلك المصادر المحلية. ففي ذات ألواح ودسر لسيدي أحمد ولد أسمهُو الديماني (توفي 1971) أن بابه أحمد بن يعقوب بن ديمان كان قد قرأ للأمير أحمد بن دمان رسالة وردت إليه من أليكدير (وأليكدير التي ذكر ابن أسمهو ليس سوى Electeur وهي لقب الملك جورج غيوم دو برادنبورغ المعروف بالناخب الأكبر كما رأينا). يقول ابن أسمهُو: “ثم طلب أحمد بن دمان من بابه أحمد أن يقرأ له كتاب أمير النصارى الذي أتاه من عندهم، فلم يجد من يقرؤه له لعدم معرفة الناس بقلم النصارى… قيل إن بابه أحمد لما فتح الكتاب ابتدأ القراءة فقال: سلام من أليكدير إلى أحمد بن دمان. فوضع أحمد يده على فم بابه أحمد ليلا يقرأ له الكتاب بحضرة الناس”.

 

ولعل الرسالة التي أرسلها الملك جورج غيوم دو برادنبورغ إلى أمير الترارزة أحمد بن دمان كانت باللغة العربية، ولربما كانت بخط مشرقي غير متداول بالصحراء الموريتانية، لكن سعةَ معارف بابه أحمد وذكاءَه مكناه من تفكيك شفرتها. ولعل فيها بعض الامتيازات والتفاصيل التي يمنحه إياها الملك الألماني والتي لا يريد الأمير أحمد بن دمان أن يسمعها الحاضرون من أقاربه الطامعين في الاستفادة من تلك الامتيازات، والطامحين إلى مزاحمته على منافع الإشراف على التجارة الأطلسية الأوروبية، والتي يبدو أن أحمد بن دمان يريد احتكارها لنفسه ولأبنائه من بعده.

 

وفي كتاب كرامات أولياء تشمشه لوالد بن خالنا الديماني نجد ذكرا موجزا للوجود الألماني في السواحل الموريتانية حيث يقول ابن خالنا عند ذكره كرامات الشيخ أحمد بن بزيد اليعقوبي ما نصه: “إن ذا النون “زنون” بن دمان قتل نصرانيا من نصارى بني دمان، فغضب لذلك رئيس النصارى، واتفق أن أحمد بزيد سأل أحمد بن دمان ثلاث حوائج: زق عسل، وعمد البيت والمقراض فأرسله أحمد المذكور إلى رئيس النصارى بأمارة وهي سب والديه ليقضي له حوائجه الثلاث…”.

 

فهذه الإشارة فيها الكثير من الغموض، وإن كانت توحي بتوتر العلاقة بين إمارة الترارزة والتجار الألمانيين بجزيرة آرگين، وهو توتر بلغ حد قتل زنون، وهو شقيق الأمير أحمد بن دمان، لأحد هؤلاء الألمان، وإرسال الأمير لهم بخشن القول والتوعد. وهي عناصر تبقى، في غياب الوثائق والمعطيات، بحاجة إلى توضيح وشرح.

 

 

وقد أورد والد بن خالنا في كتاب الكرامات وكذلك محمد عبد الله بن البخاري (توفي 1901) في كتاب العمران قصة سجن الهولنديين لأحمد بزيد اليعقوبي في مكان عميق كالبئر في جزيرة آرگين، وتزامن ذلك مع قتل زنون بن دمان لأحد هؤلاء التجار الأوروبيين. لكن السياق المناقبي للقصة التي أورد ابن خالنا وتوسع فيها ابن الفلالي من بعده لا يُمَكننا من عزل ما هو تاريخي عما هو صوفي مناقبي كراماتي فيها؛ حيث تبقى هذه القصة في غاية الأهمية وفي غاية الغموض. ويقوم أخونا الباحث أحمد بزيد بن بدبده بمحاولات مفيدة وحفر وبحث للكشف عن خفايا هذه القصة في مقال له قيد الإعداد.

 

وهنالك إشارة أخرى للسفن الألمانية في النصوص المحلية الموريتانية؛ حيث نجد الشاعر الشهير سيدي عبد الله بن رازگه العلوي (توفي 1731) في مرثية الأمير أعمر آگجيل، والتي يعزي فيها الأمير الجديد اعلي شنظورة ويحثه على أخذ الثأر من أعدائه، يتحدث ابن رازگه عن السفن الألمانية التي كانت ترسو بآرگين، والتي كان أعمر آگجيل يتحكم فيها، يقول ابن رازگه:

على يده الطولى تقمَّصت مِطرفا

أيجتمع البحران إلا إذا رسا

يحكمه ربَّانه في نفيسها

فيصدر ركبا بعد ركب ثقيلة

فنبصره عذبا فراتا غطمطما

من العز والإثراء ها أنا ساحبه

سفينٌ مدنّات إليه قواربه

ويدعوه فيما يصطفى فيجاوبه

بما وهبت تلك اليمين ركائبه

يذِلُّ له حقو الاجاج وغاربه

 

 

ومع أن نصوص التاريخ الموريتاني المحلية لا تتوسع في ذكر الوجود الألماني الهولندي في الساحل الموريتاني ولم تذكر منه ألا النزر القليل الغامض والنتف المتناثرة، فإنها لم تذكر إطلاقا الترجمان والمبعوث الدبلوماسي أحمد بن إبراهيم بن منصور بن دمان الذي تردد ذكره في الوثائق والنصوص الألمانية.

 

تسميات متعددة لمسمى واحد

يعرف أحمد بن إبراهيم بن منصور في الوثائق الألمانية/الهولندية بعدة أسماء متقاربة نطقا ومتشابهة كتابة، وهي متأثرة في الغالب بطريقة نطق الأوروبيين للأسماء العربية. فتارة تسميه تلك الوثائق “هامت منصور إبراهيم” (Hamet Mansor Ibrahim)، وأحيانا تسميه “أخمت منصور إبراهيم” (Achmet Mansor Ibrahim)، وتارة أحمد ولد باهامي (Hamet w. Bahamie).

 

وقد وقع هو نفسه ببعض هذه التسميات بوصفه مفوضا من أمير الترارزة أعمر بن هدي (أي الأمير أعمر آگجيل بن هدي بن أحمد بن دمان) في نصوص وصفت أعمر آگجيل بأنه زعيم التجارة على شاطئ الترارزة وملك منطقة آرگين، وتصف الوثائق أحيانا أحمد بن إبراهيم بن منصور بأنه المترجم.

 

وتحدد وثيقة هولندية صادرة في منتصف يونيو 1704، أي سنة اعتلاء اعلي شنظورة إمارة الترارزة حسب هذه الوثيقة (السنة الثانية لتسلمه منصب الإمارة حسب التواريخ المحلية)، بأن المبعوث التروزي إلى بلاط فريدرش الثالث يبلغ من العمر أربعين سنة.

 

ومع أن المراجع المحلية تجمع على أن هدي بن أحمد بن دمان توفي عشر سنوات بعد انقضاء حرب شرببَّه أي سنة 1684 فإن الوثائق الألمانية الهولندية تذهب إلى أنه توفي بعد ذلك بسنة أي 1685، ويذكر بعد التجار الهولنديين أن هدي مات حريقا، وهو أمر تذكر تلك الوثائق أن زعماء الترارزة يعتبرونه إهانة من الهولنديين في حق أميرهم.

 

الإقامة في هولندا

انطلق أحمد بن إبراهيم بن منصور في شهر يونيو 1703 من آرگين بموريتانيا نحو روتردام بهولندا مع ضابط البحرية آدريان سكوت، على متن الباخرة أركاي نوه، وكانت مدة الطريق عبر البحر تتراوح من شهر إلى شهر ونصف، أي ستة أسابيع، بل إن أحمد بن إبراهيم بن منصور يذكر أنها لا تقل عن شهر ونصف. كما كانت مدة موسم التجارة بميناء آركو كما تسميه تلك الوثائق أو ميناء هدي أو ميناء الجريدة (30 كلم شمال نواكشوط) ستة أسابيع.

 

ومن الواضح أن المبعوث أحمد بن إبراهيم ذهب إلى أوروبا في سفارته في الأسابيع الأولى من إمارة اعلي شنظورة إذا اعتمدنا ما تذهب إليه المصادر المحلية من أن الأمير أعمر آگجيل قد قتله أولاد دليم في رمضان سنة 1114هـ الموافق فبراير/مارس 1703م ببئر آگليل بمنطقة آكْنيْتِيرْ بالجنوب الغربي الموريتاني، وكان هذا التاريخ قبيل انطلاق أحمد بن إبراهيم بقليل في سفارته نحو هولندا.

 

والغريب أن الوثائق الهولندية لا تتفق مع الوثائق المحلية في تحديد تاريخ مقتل الأمير أعمر آگجيل، فمحليا تعتبر الوثائق مصرعه كان في نهاية فبراير أو بداية مارس من سنة 1703 لكن الوثائق الهولندية تؤكد أنه كان حيا في يونيو 1703، خصوصا عند مغادرة أحمد بن إبراهيم بن منصور آرگين متجها عبر البحر إلى أوروبا وإلى روتردام خصوصا. ويذهب تقرير للرقيب الهولندي هانس دورينغ إلى أن اعلي شنظوره تولي الإمارة سنة 1704.

 

 

وعلى العموم فالوثائق الهولندية تؤكد أن أحمد بن إبراهيم بن منصور، مبعوث إمارة الترارزة إلى بلاط فريدرش فيلهلم حاكم براندنبورغ لم يكن على علم أثناء سفر في يونيو 1703 أن أميره أعمر آگجيل قد قتله أولاد دليم. فعند وصوله روتردام في أغسطس 1703 كان ما زال يعتقد أن الأمير أعمر آگجيل على قيد الحياة.

 

وتوحي بعض الوثائق أن المبعوث التروزي إلى بلاط فريدرش فيلهلم قد أقام على الأقل ست سنوات في أوروبا، والغالب أنه رجع إلى موريتانيا سنة 1709، ففي هذه السنة رست السفينة كرشتيشكايت “العدالة” بمرسى آرگين. ومن المعروف أن عددا من السفن الهولندية التي كانت وُجهتها الإفريقية مرسى آرگين، وخاصة تلك التي أبحرت ما بين 1705 إلى 1708، قد تعرض لها الفرنسيون وأغرقوها، وألزموا الناجين من ركابها بعد أسرهم بالرجوع إلى هولندا. ومن المحتمل في غياب معلومات مؤكدة أن يكون رجوع المبعوث أحمد بن إبراهيم بن منصور إلى موريتانيا كان عبر سفينة إنجليزية.

 

ومن الملاحظ أن أسرة منصور العگبي بن دمان ليس لها عقب اليوم عكس إخوة منصور السبعة فكلهم جد قبيلة من قبائل الترارزة، ولذلك فمبعوث إمارة الترارزة في بلاط دوق بروسيا ليست له ذرية، وربما كان ذلك من أسباب انعدام المعلومات المتعلقة بسفره من الذاكرة التاريخية المحلية، وكون ما هو موجود من أخباره محصورا في الوثائق الألمانية الهولندية.

 

زعماء من الترارزة مذكورون في الوثائق الهولندية:

 

في وثيقة تعود لسنة 1687 نجد توقيعات بعض أعيان وزعماء من الترارزة وهم:

السِّيَّدْ ولد هدي ولد أحمد بن دمان

صمبه ولد آگمتار ولد دمان

أحمد بن اعلي بن أحمد بن دمان

 

وهؤلاء الزعماء الثلاثة معروفون: فأولهم: السَّيَّدْ ولد هدي، تولى، حسب الوثائق الهولندية وحسب ما ذهب إليه بول مارتي وكذلك المختار بن حامدُ، إمارة الترارزة من سنة 1684 إلى حدود سنة 1688، مع أن محمد فال بن بابه العلوي وأحمد سالم بن باگا اليدنيعقوبي لا يذكران إمارته. والسيد ولد هدي جد عشيرة أولاد السيد الشهيرة في أولاد أحمد بن دمان.

 

والثاني هو: صمبه ولد آگمتار ولد دمان، فهو صمبه بن دلَّه بن آگمتار بن دمان وهو من رجالات الترارزة البارزين في نهاية القرن السابع عشر. وفي فرع دلَّه بن آگمتار السيادة والبيت. ومن هذا الفرع أهل ملادّه وأهل ابَّگْ وأهل النويصري وغيرهم. وممن ينسب لصمبه بن دلَّه بن آگمتار: محمد امبارك بن الحميدي وابناه: الابات وولد عمير، وكذلك المختار بن أحمد بن المختار بن أحمد بن اعلي بن صمبه بن دلَّه. وقد كان صمبه ولد دله ولد آگمتار ولد دمان حاضرا وفاعلا في أغلب العهود والمواثيق التجارية والسياسية التي وقعتها إمارة الترارزة مع الهولنديين.

 

وبخصوص الثالث أحمد بن اعلي بن أحمد بن دمان فهو من مجموعة الدخن من أولاد أحمد بن دمان، وكان من رجالات الترارزة المعدودين وفرسانهم المذكورين في القرن السابع عشر. وأخوه إبراهيم بن اعلي بن أحمد بن دمان له ذرية مشهورة منها الزعيم الممدح: هيبه بن المختار الكوري بن ابراهيم بن اعلي بن أحمد بن دمان وأخواه: الراظي والجرموني. وفي هيبه يقول أحد أهل مانو:

يالواعدْ هَيْبَه گلتْ لَك غِيبْ

لاَ يحكمُوك عنُ النَاسْ بالتجاريبْ

بخنُوسْ من بَخْنُوسْ “ما فيه عيب”

مَاهُم گَابُون ولاهُم الذّيبْ

غَافسْ معلُوم فيهْ التْغَافيسْ

يَسْوَ الارِبْعَ التاليَه والخميسْ

غَيْرْ أفطَن عَن ذُوك لبْخَانيسْ

بين النمورَ واسْبُوعتْ الذريسْ

 

وفي وثيقة تعود لسنة 1698 نجد توقيعات:

أعمر بن هدي بن أحمد بن دمان

صمبه ولد دلَّه ولد آگمتار ولد دمان

محمد بن إبراهيم بن أحمد بن دمان.

 

وبخصوص الأول أعمر بن هدي بن أحمد بن دمان فهو أمير الترارزة العادل الشهم الشجاع أعمر آگجيل. تولى الإمارة بعد أخيه السيد بن هدي وقد قتله أولاد دليم في رمضان سنة 1114هـ (فبراير/مارس 1703م) ببئر آگليل بمنطقة آكْنيْتِيرْ بالجنوب الغربي الموريتاني. وقد وقع أعمر آگجيل نفس الاتفاقيات التجارية التي وقعها قبله أخوه السيد مع الهولنديين. وتولى بعده أخوه اعلي شنظورة بن هدي. ورثاه الشاعر سيدي عبد الله بن محمد بن القاضي المعروف بابن رازگه بقصيدة من جيد الشعر مطلعها:

هو الموت عضبٌ لا تخون مضاربهْ

وحوض زعافٍ كل من عاش شاربهْ

 

وقد تقدم التعريف بالثاني وهو: صمبه ولد دله ولد آگمتار ولد دمان.

 

أما محمد بن إبراهيم بن أحمد بن دمان، فهو محمد الشهير بلقبه التونسي، وهو جد أسرة أهل التونسي المعروفة بخيمة النصف أي أنهم كانوا ينتاصفون السيادة مع أهل اعلي شنظورة أمراء الترارزة. وابناه أحمدْ وبوبكر سيره وفيهم العقب والبيت.

 

وفي وثيقة أخرى تعود لسنة 1694 تتحدث عن أسماء مترجمين تروزيين من بينهم:

هدي ولد مگجيريجن (Haddi w. Moggerijn).

أحمد ولد باهامي (Hamet w. Bahamie) لعله أحمد بن إبراهيم بن منصور هذا.

 

بخصوص هدي ولد مگجيريجن (هكذا ورد في المرجع الهولندي) فالتساؤل وارد هل المقصود هدي ولد أعمر آگجيل، وهل كان لأعمر آگجيل ابن اسمه هدي؟ لا تذكر المراجع التي بين أيدينا ابنا بهذا الاسم لأعمر آگجيل، بل تذكر ابنه المعروف: السِّيَّدْ وهو جد أهل أعمر آگجيل المشهورين. وتبقى هذه إضافة جديدة من إضافات الأرشيف الهولندي.

 

أما الثاني أحمد ولد باهامي فقد تكون تسميته تصحيفا لأحمد بن إبراهيم بن منصور، الذي نتحدث عنه هنا في هذه الورقة.

 

خاتمة:

هذه ملاحظات يعود فيها الفضل إلى ما ترجمه أخونا الباحث عبد العزيز ولد حمود من نصوص ووثائق حول جزيرة آرگين، وما عثر عليه الباحث الألماني فيليب كولترمان من وثائق ومعاهدات بين إمارة الترارزة وبين الهولنديين والألمان في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر وتحدث عنها في محاضرة قدمها في نواكشوط في سنة فارطة. وهذه نصوص تعطينا معلومات نادرة وثمينة عن فترة قديمة من تاريخ هذه الإمارة قد لا نجده إلا في هذه الأرشيف المكتوب بالألمانية والهولندية.

____________________________

المراجع:

1 – والد بن خالنا الديماني، كرامات أولياء تشمشه، نسخة باريس، المكتبة الوطنية رقم 7031.

2 – محمد عبد الله بن البخاري بن الفلالي، كتاب العمران (نسخة مرقونه) ص 3.

3 – أحمد بن الأمين العلوي الشنقيطي، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، مكتبة الخانجي ومكتبة المنير 1985، ص 17.

4 – عبد العزيز ولد حمود: جزيرة آرگين (ترجمة بعض النصوص والوثائق الألمانية)، مارس 2013.

5 – سيدي أحمد ولد الأمير: إمارة السيد ولد هدي عناصر مجهولة من تاريخ إمارة الترارزة، نواكشوط، 2001.

6 – محاضرة ألقاها تيل فيليب كولترمان بنواكشوط، صيف 2001.

7 – Ulrich van der Heyden, Rote Adler an Afrikas Küste: die brandenburgisch-preussische Kolonie Grossfriedrichsburg in Westafrika, Andreas-Martin Selignow, 2001.

 مواقع إلكترونية مفيدة في الموضوع:

worldstatesmen.org/Mauritania.htm

pt.goldenmap.com/Arguim

de.wikipedia.org/wiki/Alfons_V._%28Portugal%29

pt.wikipedia.org/wiki/Arguim

 

د.سيدي أحمد ولد الأمير ـ باحث ومؤوخ

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق