وقعة تجكجة : القصة الكاملة لمقتل كابولاني

في مثل هذا اليوم الموافق 11 مايو 1905 وقعت إحدى معارك المقاومة الموريتانية الخالدة والتي قتل فيها المسؤول عن عملية احتلال بلاد شنقيط أو موريتانيا حاليا فما هي قصة هذه المعركة الخالدة ؟

مع مطلع القرن العشرين، انتقل الفرنسيون من التدخل في الصراعات الأميرية وسياسة المراكز التجارية في حوض النهر وعلى ساحل المحيط، 

 إلى محاولة فرض الهيمنة العسكرية المباشرة،  وبدؤوا التغلغل نحو وسط البلاد في ظل منطق”السلم الاستعماري”.كان مهندس هذه السياسة الجديدة بلا منازع هو كزافيي كوبولاني، الذي بذل جهودا مضنية في سبيل إقناع رؤسائه بضرورة وضع يد فرنسا على الإقيلم الموريتاني، ليحصل أخيرا على هذا التفويض… وهكذا بدأت مرحلة جديدة من تاريخ العلاقة بين فرنسا والبلاد الموريتانية، حيث أرادها كوبولاني توغلا سلميا، لكن حراب المجاهدين سرعان ما حولتها إلى غزو مسلح وحملة عسكرية شرسة، استمرت حتى سنة 1934.

و قد وظف كوبولاني كل ما يتمتع به من مرونة إدارية وحنكة من أجل تحقيق حلمه الطموح، حيث كان المكر وزرع بذور الفتنة والشقاق بين أبناء المجموعة الواحدة من أهم الأسلحة الخفية لمنظر الحملة الاستعمارية الفرنسية في موريتانيا، وهو ما “نوه” به االمقدم مونتاني، حيث و صف طريقة عمل ” المفوض الأول للحكومة العامة في موريتانيا” قائلا: “في كل مرة يكون هناك زعيم حربي على رأس مجموعة مهمة يواجهنا بالمقاومة يخترق كوبولاني هذه المجموعة، باحثا عن الشقوق التي تمكنه معرفته العميقة بشؤون المسلمين من كشفها بسرعة، و يشرع فورا بأسلوبه الخاص في العمل على تفكيك المجموعة…” . كما أشاد جيليى بهذه “الخصال” قائلا:” لقد عرف كيف يستخدم – وبصورة لم يستطع أي شخص آخر أن يفعل مثله- التنافس واختلاف المصالح للأفراد والجماعات. ونجح بهذا الأسلوب في أن يبسط نفوذنا على جزء من موريتانيا في أقصر مدة وبأقل تكلفة، وبالحد الأدنى من إراقة الدماء”.

وهكذا شرع كوبولاني في تطبيق فصول خطته القاضية باحتلال الأقاليم الموريتانية جيبا فجيبا، وهو ما يعني إخضاع اترارزه أولا، ثم البراكنه و تكانت وأخيرا آدرار، وذلك من خلال إنشاء سلسلة خطية من المراكز العسكرية بدءا بخروفه قرب المذرذره، فسهوت الماء، الرقبه و نواكشوط.

كانت تلك هي التجليات العسكرية لمشروع “التوغل السلمي” أو “السلم الإستعماري” الذي تبناه كوبولاني منذ البداية، واستطاع إقناع رؤسائه بضرورة الإسراع في تنفيذه…

وبينما كان “المنظر الكبير” يتجرع سعيدا، نخب انتصاراته التي بدت له أسهل مما توقع، خاصة بعد معركة “بوﯖادوم” واستشهاد المجاهد الكبير بكار بن اسويد احمد… كانت قلة من المجاهدين الصادقين، بقيادة شيخ مؤمن، تجاوز الستين، قد تشكلت هناك… في جبل المرابطين، وقررت أن تضع حدا لطموحات هذا الكورسيكي القادم من الضفة الأخرى للنهر…

البداية…

ذات ليلة من ليالي شهر مايو من عام 1905، كان المجاهد سيدي ولد مولاي الزين يمضي ليلة عادية، على مشارف واد امحيرث، تجلت للرجل رؤيا عظيمة، هفا لها قلبه و تاقت لها نفسه وملكت عليه جوارحه … حاول جاهدا تجاهل هذا الإيحاء الذي لم يتبينه على حقيقته… كانت رؤيا مريرة … فقد تكرر الحلم مرات و مرات…!!

أدرك سيدي أن هناك ما ينبغي فعله إزاء هذا الكابوس الذي يعاوده في كل مرة… حاول تفسير هذه الرؤيا، لجأ إلى الواقع و حال الأمة… فكر و قدر.

كانت البلاد تعيش على وقع الاجتياح الفرنسي المسلح، وكان لسان حال الأمة حينها يردد مشدوها، مع الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيديا الكبير :

حماة الدين إن الدين صارا

أسيرا للصوص من النصارى

فإن بادرتموه تداركـــــوه

و إلا يسبق السيف البــــدارا

لم يجد سيدي ولد مولاي الزين بدا من تلبية ذلك النداء الخفي، القادم من أعماق النفس، نداء الجهاد والشهادة، فقد تأكدت له الرؤيا، وتحددت المهمة، وأصبح الطريق سالكا إلى قلعة تجگجه … لم يعد لديه أدنى شك حول طبيعة الهدف، إنه رأس كوبولاني… لقد شعر أنه خلق لهذه المهمة ومن أجلها، كانت كل ذرة من كيانه تصرخ فيه أن حيَّ على الجهاد، وتستحثه على المضي قدما إلى موعد مقدر…!!

تعيين الأفراد و جمع العتاد

من واد امحيرث، بدأ سيدي ولد مولاي الزين في إعداد وجمع عناصر خطته الجريئة، والتي أدرك منذ البداية الصعوبات التي قد تعترضها والتحديات التي تتهددها، فقد كان عليه أن يتسلل بمجموعته عبر ممر غير سالك، يمتد لأكثر من ثلاثمائة وعشرين كيلومترا، في سباق مع الزمن واستخبارات العدو…

كان التحدي الأكبر لهذا المجاهد هو مدى قدرته على تسويق فكرة الجهاد، في مجتمع يعيش حالة من الفوضى السياسية ويطبعه تعدد الولاءات .ولكن، رغم حالة التشرذم هذه، فإن شعورا عاما موحدا بدأ يتشكل ضد الأعداء القادمين من الجنوب، الساعين إلى احتلال دار الإسلام. لم تكن مشاعر الرفض كافية بالنسبة إلى سيدي، لقد كان يطمح إلى أكثر من ذلك بكثير، كان هدفه في هذه المرحلة هو جمع أكبر قدر ممكن من المجاهدين المتطوعين الطامحين إلى الشهادة.

لم يملك سيدي يومها نفوذا سياسيا، وهو ما جعله يلقى صدودا في الأيام الأولى، لأن قلة فقط هي التي استشعرت حجم الخطر البعيد. لذلك فقد لجأ إلى الشيخ محمد محمود بن الشيخ الكبير المعروف بالخلف شيخ الطريقة الغظفية التي ينتمي إليها. كان الشيخ محمد محمود من المناوئين للاستعمار، وقد شجع سيدي وحثه على المضي قدما إلى قلعة تجكجه، وأكد له أن رؤياه تعني شيئا واحدا وهو أنه قاتل كوبولاني لا محالة، وعندما هم بمغادرته أهداه الشيخ محمد محمود سيفا بتارا، وأخبره أنه الأداة التي سوف يقطع بها “رأس الثعبان“…!!

وظف سيدي عناصر قوته الذاتية… استخدم كاريزميته الشخصية وجاذبيته الروحية، حتى تجمعت حوله قلة من المجاهدين الصادقين، الذين اتفقوا معه على مرافقته في السراء والضراء… لم يخبرهم في البداية عن وجهته الحقيقية، لكنه أكد لهم أنهم سيبدأون قريبا رحلة… إلى الجنة…!!

ولكن، كان على سيدي جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن العدو، الذي لا يزال حتى ذلك الحين مجهولا وغريبا. وقد انتقى لهذه المهمة مجموعة مختارة من المجاهدين، انطلقت إلى مدينة تجكجة، قبل بدء عملية التسلل بثلاثة أسابيع. وكانت فترة الأسابيع الثلاثة كافية لإقناع سيدي بعدم جدوائية الانتظار أكثر، فقد يؤثر التأخير على سير العملية بسبب إمكانية تسرب معلومات عنها، لذلك قرر بدأ المسير دون الحصول على المعلومات المتوقعة عن العدو…!!

كان زاد المجاهدين خلال رحلة الجهاد هذه هو التمر والماء والنبق واللحم المجفف، و كان لديهم من المراكب ثلاثة جمال فقط. وعندما وصلوا إلى منتصف الطريق، كانت في انتظارهم مفاجأة سارة… فقد ظهر فجأة رفاق الدرب القدامى الذين تاهوا في الصحراء، ظهرت مجموعة الاستطلاع… كانوا أربعة فقط، أما الخامس وهو سيدي ولد بوبيط فقد وقع في قبضة كوبولاني.

كانت المجموعة قد جمعت معلومات وافية حول قلعة تجكجه التي يتخذها كبولاني مقرا له، وعندما قرروا العودة دخلوا في اشتباك مع إحدى المجموعات المحلية. وقد تمكنت هذه المجموعة المعادية من إلقاء القبض على سيدي ولد بوبيط، في حين افلت الآخرون، وهم لا يعلمون شيئا عن مصير رفيقهم المفقود.

أعاد سيدي ولد مولاي الزين جمع خيوط العملية وتقييم عناصر الخطة على ضوء المعلومات التعبوية الجديدة، لكنه كان بحاجة إلى من يمده بمعلومات عن ما يجري في الداخل…خطة الفرنسيين للدفاع عن الثكنة…نظام حراستهم…عديدهم وعدتهم…كلمة السر… حلفاءهم، من يحق له دخول الثكنة من ساكنة المدينة، ومن يحظر عليه دخولها، ومتى يتم ذلك وكيف…ما هي المجموعات التي قد تشكل سندا محتملا للمجاهدين، ومن هم المحايدون…كيف يتم التنفيذ والتمفصل وتوزيع المهام والتنسيق أثناء العملية، وما هو أسلوب الانسحاب الأمثل بعد تنفيذ المهمة…

لكن التساؤل الملح، والذي أرق سيدي حقا هو احتمال علم العدو بنبإ الإغارة، خاصة في ظل إمكانية انتزاع معلومات من هذا النوع من عنصر الاستطلاع، الموجود بين أيديهم سيدي ولد بوبيط. إن حصول هذا الاحتمال يعني في حقيقة الأمر أن الخطة سوف تكون في مأزق كبير، نظرا لسقوط عنصر المفاجأة الذي يعتبر أقوى الأسلحة التي يمتلكها المجاهدون، لكن صدفة سعيدة أبطلت مخاوف المجاهدين، فقد ظهر فجأة سيدي ولد بوبيط، وكان اللقاء في موضع كلمسي الواقع على بعد 20 كلمترا من تجكجه. كان سيدي ولد بوبيط الذي أفرج عنه كبولاني للتو، على علم كامل بكل صغيرة وكبيرة من أمور العدو، فقد خبر المكان جيدا، فالرجل كان محتجزا عند مدخل القلعة. وقد حظي هذا المجاهد بتعاطف من مترجم الفرنسيين ابن المقداد المعروف محليا بدودو سك، حيث حث هذا المترجم كوبولاني على إطلاق سراح المجاهد المذكور حتى لا تتضرر سمعة فرنسا جراء المعاملة اللاإنسانية التي كان يتلقاها المجاهد السجين…
تقدير الموقف وإعداد الخطة

قدم سيدي ولد بوبيط عرضا مفصلا، شمل كل المعلومات المتعلقة بالأفراد والمكان، وعرف منه المجاهدون كل ما ينبغي أن يعرفوه… كان من المستحيل تكتيكيا اقتحام الثكنة نهارا، فقد كان عدد الجنود كبيرا، وهو ما أكده لاحقا الرائد “لويس فريرجانه” ، الذي تولى زمام الأمور بعيد موت كوبولاني، فقد تساءل هذا الضابط في مذكراته قائلا :” كيف تمكن عشرون فردا من مهاجمة قلعة محصنة، تحوي 500 فردا، مسلحين تسليحا جيدا، ولديهم مؤن كافية من الذخيرة.” .

لكن ما منع سيدي ولد مولاي الزين حقا من الهجوم نهارا هو إجراءات الأمان التي اتخذها كوبولاني مؤخرا، حيث كان قد عمد إلى قطع الأشجار والنخيل الموجود في المحيط القريب من الثكنه، والذي قد يشكل سواتر لأي عملية تقرب أو تسلل محتملة. وقد صاحبت هذه الإجراءات تعليمات دائمة، تقضي بإطلاق النار على أي شخص غريب يحاول الاقتراب أو اجتياز البطحاء في اتجاه القلعة. استقر رأي المجاهدين بعد تشاور على الهجوم ليلا، مساء الثاني عشر من مايو 1905 عند صلاة العشاء، والتسلل مع الرعاة الذين يجلبون اللبن كل ليلة إلى القلعة.

دعا سيدي رفاقه إلى اجتماع أخير وعاجل، وأفصح لهم للمرة الأولى عن نيته الحقيقية، وأنه مقبل على قتل كوبولاني…ذلك العدو القابع هناك، على مرمى البصر في قلعته الحصينة، فلم يلق امتعاضا ولا تبرما…

بدأ سيدي في وضع عناصر الخطة… حدد موقع كلمسي كنقطة للتجمع بعد تنفيذ العملية… كان على من سينجو، بعد تحقيق الهدف والقضاء على كبولاني، أن ينسحب فورا وينتظر طلوع الشمس “مرتين”(حوالي الساعة التاسعة أو العاشرة صباحا) ثم ينطلق في طريق العودة إلى آدرار.

كان من الضروري الإبقاء على بعض العناصر في نقطة التجمع لحراسة الجمال التي سوف تؤمن النقل للعناصر المنسحبة. ولكن كان لا بد أيضا من الاتفاق منذ الآن على الإشارة التي سوف تشكل “أمر الانسحاب”. ولأن سيدي كان قد قرر أن يجاهد حتى ينال الشهادة، فقد لا يكون موجودا لإصدار أمر كهذا… لذا فقد أمر المجاهدين أن من يقتل كوبولاني، أو يعلم بمقتله، فإن عليه أن يصيح بأعلى صوته:”مات كوبولاني… مات كبولاني”، وعلى كل مجاهد سمع هذه الإشارة الصوتية أن ينسحب فورا إلى نقطة التجمع في كلمسي، دون انتظار الآخرين…

أدرك المجاهدون، بتجربة المحاربين المجربين حجم الأثر النفسي الهدام، والقلق والارتباك الذي ستحدثه المفاجأة في صفوف أعدائهم، ولا بد أن يساعد ذلك في ميل ميزان القوى لصالحهم، خاصة وأن الهجوم سوف يكون سريعا ومباغتا، ولن يستغرق أكثر من خمس دقائق …!!

وصدر أمر المسير الأخير… وصل المجاهدون إلى مشارف مدينة تجگجه قبيل موعد صلاة العشاء. وحتى لا ينكشف أمرهم، وإمعانا في احتياطات الأمان والتمويه قرروا التواري وراء سواتر من شجر القتاد في بطحاء تجگجه… فجأة مر بهم رجل في هيأة راعي غنم… قبضوا على الرجل وأحضروه إلى سيدي حيث استجوبه، فكانت إفاداته التي تطوع بالإدلاء بها كاملة ومطابقة تماما لأقوال سيدي ولد بوبيط. وتشير الرواية المتداولة محليا إلى وجود تنسيق بين بعض أعيان مدينة تجگجه وسيدي ولد مولاي الزين، قبيل وأثناء تنفيذ العملية. وتجد هذه الرواية المحلية ما يدعمها في ما دونه الرائد “لويس فريرجانه” لاحقا في تقريره حول العملية.

وصل سيدي ورفاقه ، صحبة دليلهم إلى واحة نخيل قريبة من المراح الذي تجتمع فيه عادة غنم أهل تجگجه كل ليلة، لتوفير الحليب لعناصر الحامية. كانت هذه الواحة واقعة قبالة القلعة، على الطرف الآخر من البطحاء، وكان المجاهدون ينتظرون إشارة التنفيذ التي سوف يعطيها العدو…!!، وهي صافرة تطلقها الحامية إيذانا للرعاة والعمال بدخول القلعة، لجلب اللبن والطعام …

اقتحام القلعة…

كانت دوافع الاجتهاد لدى هذا الشيخ المؤمن تقتضي منه اتباع المنهج الإسلامي في الجهاد، وهو ما يعني إعلان الحرب قبل الإقدام على أي عمل من أعمال القتال… وبغض النظر عن ما يمكن أن يلحق بأمن العمل من خطر من حيث انكشاف أمر الهجوم، إلا أن سيدي كان قد أدرك، بحس القائد أن التنسيق أثناء العملية يقتضي منه إيجاد وسيلة سريعة لتوصيل أمر الشروع في التنفيذ، خصوصا وأن المعلومات الاستخبارية الميدانية تؤكد أن أحداث المعركة المفترضة سوف تدور في قطر دائري لا يتجاوز الثلاثين مترا، وهو ما يعني تكتيكيا أن مثل هذه الإشارة الصوتية (التكبير) سوف تكون مسموعة إلى حد كاف، من طرف عناصر الإسناد وكذلك عناصر الصولة…

وقبل أن يجتاز المجاهدون البطحاء أصدر سيدي ولد مولاي الزين تعليماته الأخيرة…”أوصانا (يقول المجاهد أحمد ولد اعميره)بالصمت التام أثناء التقدم، وأخبرنا أنه سوف يكون في المقدمة صحبة ابنه (عبد الرحمن القاسم الملقب اللّلّ)، وأن علينا قبل الدخول أن ننتظر حتى يصيح: “الله أكبر“…” .

اختلط المجاهدون بالرعاة والعمال… تقدموا في صمت وترقب …كان سيدي في المقدمة شاهرا سيفه، وكان إلى جانبه ابنه اللّلّ وسيداحمد ولد اعميره…

استشعر الحارس المتحرك الذي يراقب المدخل الرئيسي حركة غير عادية، فحاول الفرار وتسلق سور القلعة، لكن سيف الجهاد كان سباقا في القضاء عليه… عاجل المجاهدون هذا الحارس وقضوا عليه دون أن يثير ذلك انتباه عناصر الحامية الآخرين ولا حتى الرعاة أو العمال، ومن المرجح أن عملية القضاء على الحارس المذكور قد تمت باستخدام سلاح أبيض، بدل البندقية، تفاديا لإحداث دوي قد يعطي الفرنسيين إنذارا مبكرا، أو فرصة لصد الهجوم قبل أن ينتقل إلى داخل القلعة .

تقدموا نحو الباب… ولج سيدي عبر المدخل الرئيسي… تبعه ابنه اللّلّ وثلاثة مجاهدين من بينهم سيدي أحمد ولد اعميره ولد اباه… توجهوا مباشرة إلى بيت حديث البناء، قدروا أن يكون مقر سكن كوبولاني … تقدموا بخطوات حذرة ومتباطئة لغرض إحداث المفاجأة المطلوبة… فجأة، ظهر أمامهم أوروبي ضخم، متدثر في ثياب بيضاء… كان كوبولاني يخطو على الأرضية الأمامية لمقر إقامته…قدر سيدي أن اللحظة المناسبة لإعطاء إشارة البدء في التنفيذ قد أزفت… فأعلنها مدوية في سماء تجگجه… “الله أكبر”… “الله أكبر”…

كانت الساعة تمام التاسعة وخمسٍ وعشرين دقيقة، مساء الثاني عشر من مايو سنة 1905 ، عندما انقض قائد المجاهدين سيدي ولد مولاي الزين على سيد قلعة تجگجه، ليُحدث السيف البتار ذلك الصوت المكتوم، ويستقر النّصْل في صدر كوبولاني، وفي الحال، وعلى بعد عشر خطوات فقط وجه إليه أحد المجاهدين المرافقين لسيدي طلقة مباشرة، أصابته في البطن و مزقت أحشاءه واخترقت ظهره … تقهقر الرجل محاولا لملمة جراحه الثخينة، وتوارى في ظلام إحدى الغرف القريبة، يصارع الموت وحده… اتْبعه المجاهدون بوابل من الرصاص داخل الغرفة التي أراد الاحتماء بها … لكن القدر سوف يمهل مهندس التوغل الفرنسي في موريتانيا حتى يشهد أحداث المعركة كاملة…

تبلّغ المجاهدون الذين ينتظرون على أحر من الجمر تحت السور الشمالي الغربي من إشارة البدء، وكذلك رفاقهم المحترسون في الواحة القريبة … سمعوا صوت التكبير الذي تردد صداه في كل اتجاه، وكان ذلك أمرا واضحا بالشروع في تنفيذ المرحلة الموالية من خطة الاقتحام..

أطلقت عناصر الإسناد وابلا من الرصاص على القلعة وبسرعة كبيرة… وبالتزامن مع ذلك انقضّت بقية عناصر الصولة عبر السور الشمالي الغربي، وهكذا توسعت دائرة الاشتباك، و ارتفع الصراخ ودوي طلقات البنادق في كل أرجاء المعسكر، وتحولت القلعة إلى ساحة معركة حقيقية…

أُولاَ تْلَ فَمْ مَاهَ اتْغَاوِيرْ

وَبْگاتْ الدَّارْ كِيفْ ظَوْ اَنْهَارْ — وَابْگــــــــاتْ تَجَگْجَهْ الاّ آقْنَـــــادِيرْ
مَنْ ظَوْ تَكْرَارْ قَيْمُوسْ لَشْفَارْ — أُطُـــــــــــــولْ دَوَامْ گدْيَ آمّــــــادِيرْ
أَگدَاتْ النَّارْ فَالجَوْ لَــــــحْوَارْ — اجْمَرْ وارْصَاصْ كِيفْ عَارَظْ اشْرِيرْ
وَانْگرَظْ مَصْمَارْكَلاّبْتْ العَارْ — وَاخْـــــلاَتْ انْصَارَه أُومَرْ انْدْرَيْــــــر

وقد دفع هذا المشهد المحتدم “فريرجانه” إلى وصف المجاهدين قائلا :” كانوا مصممين على الموت من أجل قتل كوبولاني… لقد تأكد أنه رغم كل شيء يظهر أمثال هؤلاء الرجال.” لقد “هاجموا برباطة جأش واستماتة منقطعة النظير.” .

لقد كشفت هذه العملية عن اختلالات عميقة في الخطة الدفاعية الفرنسية، إذ لم يكن بوسع أي فصيل إسناد فصيل آخر، بسبب افتقار الحامية إلى قوة احتياط تكتيكي قادرة على الحركة والهجوم المضاد..لقد نسي أحفاد نابليون خلال هذا النزال فكرة المناورة، وفقدوا روح المغامرة واختاروا التخندق والجمود…

كان فصلا رائعا من خطة عسكرية، أعدت بعناية شديدة وتجلت فيها مفاعيل الحرب النفسية، التي أوهمت العدو أن الهجوم قادم من كل الجهات… المدينة، واحة النخيل، البطحاء، الشمال، الشرق، الغرب… لقد فقد العدو صوابه، و “لم تعد هناك قيادة عسكرية موحدة ومركزية.” .

وقد دفع الإرباك الحاصل، والفوضى والخوف في صفوف الجنود إلى إطلاق النار عشوائيا ودون تركيز. وكان من نتيجة ذلك أن حراس الجزء الشمالي من القلعة “لم يتمكنوا، أثناء ردهم على إطلاق النار القادم من واحة النخيل من فعل أي شيء، باستثناء قتل ثلاث وعشرين شاة غنم، كانت محجوزة في حظيرة تقع أمام مواقعهم.” !!.

كان المجاهدون محاربين بالفطرة، وقد أدركوا جيدا أهمية توقيت وطريقة استخدام بنادقهم التقليدية، حيث سعوا أثناء الهجوم إلى تقليص الفارق الكبير في التسليح بينهم وبين أعدائهم المزودين بالبنادق الأوتوماتيكية ”القرطاس” والرشاش الأوتوماتيكي “بوتاسارت”، خلال هذه الإغارة الليلية المنسقة، السريعة والمفاجئة، وهو ما أدى بالفعل إلى حرمان أعدائهم من فرصة التسديد، و منح المجاهدين بالمقابل إمكانية التسديد عن قرب، ومضاعفة قوة تأثير طلقات بنادقهم.

وفي اللحظة التي كانت المعركة فيها على أشدها، برز لسيدي الذي كان “يبحث عن أوربي آخر لقتله” ملازم أول “تيوفانهETIEVANT”. كان هذا الضابط يتقدم متخذا من مقر الإقامة ساترا… في محاولة يائسة لتثبيت عناصره، الذين أرغمهم المجاهدون على ترك مواقعهم، ودفعوهم داخل المعسكر … بادر “اتيوفانه” سيدي بطلقة من مسدسه، قبل أن يرد عليه سيدي بضربة أصابته في الرأس وأسقطته… كانت مبارزة غير متكافئة بين السيف والمسدس، سقط على إثرها المتبارزان جريحين…اعتقد المجاهدون أن هذا العسكري الأوربي، الذي “بدا” صريعا في الظلام هو فعلا كوبولاني، فجردوه من مسدسه، وقبعته وحزامه …

كان سيدي قد أوصى رفاقه أن ” من يشهد أو يسمع بمقتل كوبولاني، فإن عليه أن يصيح بأعلى صوته : مات كوبولاني… مات كوبولاني… وينسحب إلى نقطة التجمع.”…

الانسحاب إلى نقطة التجمع…

خيِّل إلى المجاهدين أن هذا الأوربي الذي سقط لتوه، هو فعلا قائد البعثة الاستعمارية الفرنسية، وسيد قلعة تجگجه گزافي كوبولاني، كان لا بد من إنهاء الهجوم و إعلان الانسحاب… وهكذا صدر الأمر الذي سبق وأن حدده القائد الجريح حرفيا… اعتلى سيد احمد ولد اعميره سور القلعة وصاح بأعلى صوته :”مات كوبولاني…مات كوبولاني” .

بدأ الانسحاب، وشرع المجاهدون في تلمس طريق العودة عبر المدخل الرئيسي… خفتت أصوات البنادق، وغشي قلعة تجگجه ظلام آخر من الكآبة والحسرة، بل والخوف الشديد من ما هو قادم… كانت الساعة في حدود منتصف الليل، وكان الوقت يمضي بطيئا، مثقلا بالأحزان… لم يجد النوم طريقه إلى الجفون، فتجمع الكل فوق قمة الربوة، يتشاطرون مرارة المأساة، ويواسي بعضهم بعضا.. لقد رحل “حامي الحمى”… لقد مات كوبولاني…!!؟؟

عناق الشهادة…

تعرض المجاهد سيدي ولد مولاي الزين لطلقة نارية من مسدس الضابط الفرنسي ملازم أول “تيوفانه ETIEVANT “… كانت إصابة مباشرة وعن قرب، لكنها لم تكن قاتلة… لم يقض في الحال حتى أدركه الجنود “السودانيون Les soudanais” قبل أن يسلم الروح، فتسابقوا إلى الإجهاز عليه بالحراب …ليستشهد على إثر هذا العمل الوحشي الجبان…

سقط الشهيد القائد في ساحة المعركة، مقبلا غير مدبر… فاضت روحه الطاهرة بعد أن حقق أمنيته، وقطع “رأس الثعبان”… لم يسع هذا الشيخ المؤمن يوما وراء مكسب دنيوي أو مادي، ولم يقد رجاله إلى سمعة أو جاه، كان فقيها صوفيا ووليا زاهدا في الدنيا وملذاتها، وكان مجتهدا يحلل ويقدر… ثم يقرر، ولعل هذه الميزة هي التي شكلت عناصر عصاميته التي دفعته إلى المضي قدما في تنفيذ قرار القضاء على كوبولاني، رغم تمنع الظروف وخذلان الناس… كان قائدا مُلهما، و داعية يحمل قلما وسيفا… عاش سيدي الصغير ليجسد مثالا في الإيثار والزهد والتقى، ورحل ليترك للأجيال اللاحقة درسا عظيما في التضحية والحب والشجاعة…

مقتل كوبولاني

التداعيات… والدلالات

لقد شكلت عملية تجگجه الرد المناسب والمبكر على سياسة “التوغل السلمي”، والضربة الاستباقية التي زلزلت المشروع الاستعماري الفرنسي في موريتانيا. فقد لخص الرائد جيليى التبعات السياسية والعسكرية لموت منظر الحملة الاستعمارية الفرنسية في موريتانيا قائلا :”انتشر نبأ مقتل كوبولاني بسرعة كبيرة في كافة أرجاء موريتانيا، حيث نجمت عنه، وعلى الفور نتائج خطيرة… فقد استعادت كل القبائل التي سبق وأن قبلت الدخول في مفاوضات من أجل إعلان خضوعها حريتها في التصرف. وكان كوبولاني قد تمكن من إقناع هذه القبائل بقبول الحماية الفرنسية بسبب حنكته ومهارته السياسية. كما أعلنت قبائل وفصائل أخرى تمردها، بعد أن كانت خاضعة… أما أمير آدرار وكذلك مرابط السماره الشيخ ماء العينين الذي حرض على قتل كوبولاني فإنهما يعتبران هذا الحدث بمثابة نجاح كبير. لقد أصبحت ثقتهم وتصميمهم على مقاومتنا أكثر حيوية، كما أنهم أضحوا أكثر استعدادا لدعم مناهضينا.”.

كان مقتل كوبولاني فعلا جريئا وغير مسبوق في سجل المقاومة الوطنية، لكن الأهم من كل ذلك هو أنه كان بمثابة إعلان مدوٍ، عن بداية النضال المسلح الفعلي والمنظم ضد التوغل الاستعماري، حيث ما لبثت صفوف المقاومين أن تعززت واتسعت الجبهة المناوئة للفرنسيين عقب هذه العملية، ولم يعد هناك صوت يعلو على صوت المقاومة…

كان مرد هذا الزخم الذي حظيت به الدعوة إلى الجهاد هو القناعة التي تعززت حول إمكانية صد الفرنسيين، بل وإلحاق الهزيمة بهم، وهو ما تجسد لاحقا في الهجمات المتكررة على قلعة تجكجة ، والتي توجت بحصار تجكجه الذي نفذه حوالي ألف من المجاهدين، وقاده امير آدرار المجاهد سيداحمد ولد احمد ولد عيده، و لم يتمكن الفرنسيون من فك هذا الحصار إلا بعد تدخل قافلة الإمداد القادمة من سينلوي في 24 يونيو 1905، بقيادة المقدم مونتانى كاب دبوسك الذي عينته الإدارة الاستعمارية خلفا لكوبولاني.

لكن التأثيرات الدراماتيكية لهذه العملية على المشروع الاستعماري الفرنسي الذي أصبح مهزوزا، تجاوزت إقليم تكانت والأراضي الموريتانية لتلقي بظلالها على مقر الحكومة الاستعمارية الفرنسية في سينلوي، حيث ظهرت مجددا الدعوات إلى إعادة النظر في سياسة التوغل المسلح والعودة إلى سياسة المراكز التجارية على ضفة النهر، “فبعد موت كوبولاني أصدر المجلس العام للسنغال تعازيه وعبر عن أسفه للخسارة الفادحة المترتبة على فقدانه. إلا أن أحد أعضاء المجلس صرح قائلا:” إن كوبولاني لم يقتل، فقد سقط في ساحة المعركة إثر الحملات العسكرية المسلحة التي كان يسيرها ضد الموريتانيين منذ عدة سنين. وطالب آخر بالرجوع إلى سياسة المراكز التجارية لصالح التجار في سينلوي، وإعادة السلم مع ترارزة ولبراكنه، ووقف السياسة المضرة المعارضة للمصالح التجارية والتي لا تفضي إلى شيء، والتخلي عن سياسة (الاحتلال السلمي) التي ليست في الحقيقة سوى غزو مسلح لصحاري خالية.” .

رحل كوبولاني، لتنتهي مع موته سياسة “التوغل السلمي” التي نظر لها وحاول تسويقها دون جدوى… سقط القناع الذي طالما تدثرت به السياسة الاستعمارية، لتبدأ مرحلة أخرى، يطبعها العمل المسلح والغزو العسكري المباشر للأقاليم الموريتانية. وقد أرغمت المقاومة الوطنية الفرنسيين على خوض المعارك اللاحقة بتشكيلات ووحدات كبيرة مجهزة، نظرا للخسائر النوعية المعتبرة التي تكبدوها في المواجهات السابقة، والتي خاضوها بوحدات أقل عددا وعدة.

كان قرار شن عملية تجگجه، الذي اتخذه المجاهد الشهيد سيدي بن مولاي الزين ورفاقه في مكان ما من إقليم آدرار ضد الوجود الاستعماري في إقليم تگانت البعيد، أول عمل وطني، يرسخ وحدة الأقاليم الموريتانية… إنه وعي مبكر، تعززه قناعة دينية راسخة، وأول لبنة معنوية وضعت في المكان الصحيح ومهدت لبناء وطن ولم شمل أمة… لقد تعزز الشعور العام المعادي والرافض للوجود الاستعماري، وتشكلت لحمة الأمة، واتفقت الإرادة العامة على تأييد نهج المقاومة، وهكذا ولدت الرغبة في الانعتاق والتحرر، لتتجسد هذه الرغبة أخيرا في حصول البلاد على الاستقلال التام في الثامن والعشرين من نوفمبر سنة 1960…

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق